أدب الطفل ،،، وإشكالات كانت في صغري …
في صغري كنت أشاهد أفلاماً كرتونية على شاكلة “سالي” و “عدنان ولينا” و “لوز وسكر” و “نارا الصغيرة والطائرات المغيرة”….وغيرها . كانت تسبب لي إشكالات معرفية وعقلية لا أعرف ـ لصغر السن ربما ـ كيف أصفها ولا أدري ما هي موضوعاتها ، لكنها كانت على شاكلة : لماذا حصل كذا؟ ، لماذا هذه الابنة غنية وفي ليلة وضحاها تصبح فقيرة معدمة ؟، لماذا صاحب الأرض مستخدم عند اللاجئ “تبين لي لاحقاً بأنه يسمى بالمستعمر” ؟ وعلى هذه التنويعات قس وابتكر . ولهذا كنت أكرر هذه الأفلام مرارا وتكرارا لأحصل على إجابة، ولم تكن هناك إجابة. لقد كانت هذه الأفلام الكرتونية بالنسبة لي (كصغير) مثل “شيفرة دافنشي” و”مالكولم إكس” و “مارتن لوثر كينج” و “ولوست” وغيرها عند الكبير.
1-

خذ مثلا “لوز وسكر”. خلاصة هذه القصة أن لوز وسكر دبين صغيرين كانا يعيشان مع أمهما في الجبل والغابة ، وكان بجوار هذه الغابة عائلة قروية تسكن بيتا متواضعا ، ويسكن على مقربة منهم عائلة ثرية جاءت من فرنسا وسكنت هذه البقعة وكان لديها أبقارا وماشية ورعاة وقصرا منيفا وربات بيوت ….. إلخ.
تابعت هذا الفيلم الكرتوني مرارا وتكرارا حتى حفظته عن ظهر قلب . لم أكن أعرف حينها بأنه كان يحمل تعبيرات وتضمينات عن الهجمة الاستعمارية الاحلالية الأوروبية على الأرض الأمريكية الجديدة ، واعتبار هذه المنطقة “أرض بلا شعب” ، ويجب إحلال المهاجرين “شعب بلا أرض ” مكان هؤلاء البرابرة المتخلفون .
كانت تلك العائلة كناية عن الهنود الحمر، والعائلة الثرية القادمة من فرنسا والتي كان يستأذنها رب الأسرة الريفية في أمور يفترض أنها من صميم أملاكه ومن حر ماله. تلك العائلة الثرية كانت كناية عن المستوطن الجديد بما يحمله من فكر نفعي مسيطر على الإنسان ” إفناء الهنود الحمر” والطبيعة “تدمير الغابات وإنشاء المدن مكانها والصيد الجائر للحيوانات”.
لقد حل هذا الفيلم جميع ” أو أغلب” الإشكاليات التي ظهرت لدي لاحقا حول الاستعمار الأمريكي ، وكيف أباد الإنسان الأبيض ما وجد من ثقافات اثنيه وصهرها داخل بوتقته ، ثم الادعاء بأنه احتوى كل الاثنيات والقوميات التي وجدها أمامه.

2-
كذلك الفيلم الكرتوني الطويل “سالي”، وما كان يدور داخل سور المدرسة من نزاعات طفولية . ثم كيف تحولت الطفلة سالي في ليلة وضحاها من الابنة المدللة وأميرة الدار إلى الفقيرة المعدمة عاملة النظافة التي تعيش على الكفاف ، لا لشيء وإنما بسبب وفاة والدها “الامبريالي” وانعدام الفائدة التي كانت مرجوة من ذلك الدلال ، وكيف تحول التعامل معها بتحول حالتها المادية.
إن هذا يحكي برمزية فائقة وجميلة عن النفعية والأخلاق المادية الغربية ، والامبريالية البريطانية التي لم تكن تغيب عنها الشمس ، فهذه ابنة لتاجر يدير منجما للفحم في الهند ، وتلك ابنة لتاجر آخر يدير منجما للألماس في جنوب أفريقيا ، وتلك ابنة لتاجر يملك منجما بتروليا في أمريكا ، وهكذا .
3-
وعلى هذين الفيلمين الكرتونيين قس ما يأتي من أفلام كرتونية أخرى ، كعدنان ولدينا ، وتوم وجيري ، والنمر الوردي و ما يلي من قائمة .
4-
أرأيتم يا سادة ، كيف أن الأفلام الكرتونية ليست لعبة ” أو شيء تكميلي في التربية ” ، وإنما هي عصا يضرب بها القوي على ظهر الضعيف يستطوعه ويذلل ركابه . هذه هي الأفلام الكرتونية التي حكت لنا عن عصر وثقافة غريبة علينا وعشقناها صغاراً . فأين الأفلام العربية التي تحكي لنا سير آباءنا واختراعاتنا وحضارتنا التي ملأت الدنيا عدلا وتمدنا ، بعيدا عن نار الإيديولوجيات الخاصة التي لا ظهرا أبقت ولا أرضا قطعت .


