أوراق

حسن سالم

Month: ديسمبر, 2009

مانديلا ، وما أدراك ما مانديلا…


قضيت عشرة أيام تقريبا في قراءة سيرة نيلسون مانديلا ،،، ومن خلف تلك السيرة تقرأ قصة نهوض جنوب افريقيا (التي يسميها كثير من الناس بلاد مانديلا) وخروجها ضيق ذل الفصل العنصري إلى رحابة التعددية العرقية .. أنا فخور بك يا مانديلا ، وستكون ملهمي في كثير من الأشياء .

كنت حزينا معك وقت الحزن وفرحا معك وقت الفرح ، بل كنت سجينا معك أيضا عندما كنت هنا في روبن آيلاند . لكأنك أمامي وأنت تسقي زروع السجن ، ولكأنك أمامي وأنت تتلافى انقسامات المؤتمر بعد خروجك ، أنت صانع جنوب افريقيا الحديثة .

كان أملي الوحيد لو أنك أسلمت حينما زارك “المبشر”، وأنت في السجن ، حتى تفوز بالدارين .. كان والله أملي العظيم .. كان والله أملي العظيم ..

أكثر  ما أبهرني في شخصيته ، هي تلك الشخصية المتسامحة من أجل الوطن ، ظهر في حوار ودي مع المدع العام الذي كان السبب في سجنه مدة سبع وعشرين عاما ، زار أرملة الزعيم العنصري هينريك فيروورد الذي عمق من عمليات الفصل العنصري ضد السود .

ما هذه الهمة العالية .. لطالما رأيتها في شباب لم يبلغوا السنين الطوال من أعمارهم ، لكن أن أراها  في رجل جاوز الأربعين والخمسين والستين والسبعين . بل كان مستعدا لبذل المزيد من العقود ؟ تلك والله الداهية

أترككم مع بعض من مقولاته التي اقتبستها من ذلك الكتاب ـ وهي كثيرة ـ :

ـ إن الإنسان يستطيع التكيف مع أبشع الظروف إذا شعر أنه ليس وحده ، وإذا شعر أنه يتمتع بالدعم فيما يفعله

ـ أولئك الذين ليس لهم طموح حقيقي ودافع قوي يقضون عمرهم كله في عمل مجهد وليس بذي شأن .

ـ الجدران الأشد هولاً هي تلك التي تنمو في الذهن

ـ إن أعظم ما في الحياة ليس في عدم السقوط تماماً ، بل في الوقوف بعد كل سقوط

ـ لو كنت مضطرا سأكون على استعداد لتمضية واحد وعشرين عاماً أخرى بدون أسف ، فأنا روحيا أعيش بعيداً جداً خارج تلك الجدران ، وأفكاري لا تكاد تكون في الزنزانة

ـ عندما حثة بوب هيور العضو البريطاني من حزب العمال البريطاني على اتخاذ المزيد من الراحة أجاب “يجب أن أعوض سبعة وعشرين عاماً”.

ـ لا توجد حكومة في أي مكان في العالم تتنازل عن السلطة بدون ضغط هائل .

ـ إن العالم الثالث مشوش ببقايا حركات التحرر التي حررت بنجاح بلدانها من عبودية الظلم الاستعماري ، لتنهزم فقط في الاقتراعات في الانتخابات الأولى بعد الاستعمار

ـ في بناء الدول نحتاج أحيانا إلى بلدوزر وأحيانا إلى نفاضة ريش

ـ لا حاجة بنا إلى تذكير أنفسنا بالشرور الماضية ، الشجعان لا يخشون الصفح ومن أجل السلام.

في النهاية أترككم مع كتاب

مانديلا ،،، السيرة الموثقة

نيلسون مانديلا السيرة الموثقة

للمؤلف : انطوني سامبسون

Advertisements

أدب الطفل ،،، وإشكالات كانت في صغري …


في صغري كنت أشاهد أفلاماً كرتونية على شاكلة “سالي” و “عدنان ولينا” و “لوز وسكر” و “نارا الصغيرة والطائرات المغيرة”….وغيرها . كانت تسبب لي إشكالات معرفية وعقلية لا أعرف ـ لصغر السن ربما ـ كيف أصفها ولا أدري ما هي موضوعاتها ، لكنها كانت على شاكلة : لماذا حصل كذا؟ ، لماذا هذه الابنة غنية وفي ليلة وضحاها تصبح فقيرة معدمة ؟، لماذا صاحب الأرض مستخدم عند اللاجئ “تبين لي لاحقاً بأنه يسمى بالمستعمر” ؟ وعلى هذه التنويعات قس وابتكر . ولهذا كنت أكرر هذه الأفلام مرارا وتكرارا لأحصل على إجابة، ولم تكن هناك إجابة. لقد كانت هذه الأفلام الكرتونية بالنسبة لي (كصغير) مثل “شيفرة دافنشي” و”مالكولم إكس” و “مارتن لوثر كينج” و “ولوست” وغيرها عند الكبير.

1-

خذ مثلا “لوز وسكر”. خلاصة هذه القصة أن لوز وسكر دبين صغيرين كانا يعيشان مع أمهما في الجبل والغابة ، وكان بجوار هذه الغابة عائلة قروية تسكن بيتا متواضعا ، ويسكن على مقربة منهم عائلة ثرية جاءت من فرنسا وسكنت هذه البقعة وكان لديها أبقارا وماشية ورعاة وقصرا منيفا وربات بيوت ….. إلخ.

تابعت هذا الفيلم الكرتوني مرارا وتكرارا حتى حفظته عن ظهر قلب . لم أكن أعرف حينها بأنه كان يحمل تعبيرات وتضمينات عن الهجمة الاستعمارية الاحلالية الأوروبية على الأرض الأمريكية الجديدة ، واعتبار هذه المنطقة “أرض بلا شعب” ، ويجب إحلال المهاجرين “شعب بلا أرض ” مكان هؤلاء البرابرة المتخلفون .

كانت تلك العائلة كناية عن الهنود الحمر، والعائلة الثرية القادمة من فرنسا والتي كان يستأذنها رب الأسرة الريفية في أمور يفترض أنها من صميم أملاكه ومن حر ماله.  تلك العائلة الثرية كانت كناية عن المستوطن الجديد بما يحمله من فكر نفعي مسيطر على الإنسان ” إفناء الهنود الحمر” والطبيعة “تدمير الغابات وإنشاء المدن مكانها والصيد الجائر للحيوانات”.

لقد حل هذا الفيلم جميع ” أو أغلب” الإشكاليات التي ظهرت لدي لاحقا حول الاستعمار الأمريكي ، وكيف أباد الإنسان الأبيض ما وجد من ثقافات اثنيه وصهرها داخل بوتقته ، ثم الادعاء بأنه احتوى كل الاثنيات والقوميات التي وجدها أمامه.

2-

كذلك الفيلم الكرتوني الطويل “سالي”، وما كان يدور داخل سور المدرسة من نزاعات طفولية . ثم كيف تحولت الطفلة سالي في ليلة وضحاها من الابنة المدللة وأميرة الدار إلى الفقيرة المعدمة عاملة النظافة التي تعيش على الكفاف ، لا لشيء وإنما بسبب وفاة  والدها “الامبريالي” وانعدام الفائدة التي كانت مرجوة من ذلك الدلال ، وكيف تحول التعامل معها بتحول حالتها المادية.

إن هذا يحكي برمزية فائقة وجميلة عن النفعية والأخلاق المادية الغربية ، والامبريالية البريطانية التي لم تكن تغيب عنها الشمس ، فهذه ابنة لتاجر يدير منجما للفحم في الهند ، وتلك ابنة لتاجر آخر يدير منجما للألماس في جنوب أفريقيا ، وتلك ابنة لتاجر يملك منجما بتروليا في أمريكا ، وهكذا .

3-

وعلى هذين الفيلمين الكرتونيين قس ما يأتي من أفلام كرتونية أخرى ، كعدنان ولدينا ، وتوم وجيري ، والنمر الوردي و ما يلي من قائمة .

4-

أرأيتم يا سادة ، كيف أن الأفلام الكرتونية ليست لعبة  ” أو شيء تكميلي في التربية ” ، وإنما هي عصا يضرب بها القوي على ظهر الضعيف يستطوعه ويذلل ركابه . هذه هي الأفلام الكرتونية التي حكت لنا عن عصر وثقافة غريبة علينا وعشقناها صغاراً . فأين الأفلام العربية التي تحكي لنا سير آباءنا واختراعاتنا وحضارتنا التي  ملأت الدنيا عدلا وتمدنا ، بعيدا عن نار الإيديولوجيات الخاصة التي لا ظهرا أبقت ولا أرضا قطعت .