معالم الحضارة والأمة المتحدة


إن مشاعل الحضارة لا تأي من تلقاء نفسها ، والتي تحملها رجال شرفاء أقوياء نذروا على أنفسهم أن يتحملوا عناء النفس ، لقطف الثمرة أحفادهم ، وهؤلاء يجب أن يكونوا في كل فن وعلم .

يتضح هذا بمجرد نظرة سريعة خاطفة إلى التاريخ . نجد الآن رحالة كثر ، وأغلبهم إن لم يكن جلهم ممن ينظوون تحت لواء الحضارة الغربية ومن الأوروبيين خصوصا . فهذا الرحالة الانجليزي يلجريف ، جال شبه الجزيرة العربية سنتي1862-1863 ، ووصفها وصفا دقيقا ، ووصف حواضرها وأريافها وقراها . وهناك الانقليزي الاخر ويليام فرانكلين ، جاب ايران في ثمانينيات القرن .الثامن عشر ، ولم يكتف بالوصف الجغرافي ، بل وصف الحياة الاجتماعية والنمط الديني وصفا دقيقا . ومن قبلهما كريستوفر كولومبوس وأصحابه وماذا فعلوا من استكشاف للعالم الجديد .

إلى هنا فقط سيقول قائل من عامة الناس ، ومن أنصاف المثقفين كذلك ، حسنا … وماذا بعد ؟ ماذا عملت هذه الدراسات والرحلات الطويلة المضنية والبحوث ؟!

هل أنا بحاجة إلى كلام لأصف المعرفة الدقيقة للغرب عن الخليج وإيران ؟؟؟؟ .. لولا هذه الدراسات والرحلات ، لما كانات الحركة الاستعمارية الرهيبة التي اتكأ عليها التطور الحضاري الغربي ، ولما ظهرت الامبريالية ، ولما استمر المجتمع الأوروبي قرونا وهو متماسك رغم وهن العلاقات الاجتماعية فيها . ولولا الامبريالية التي تصدر المشكلات الاجتماعية ـ وغير الاجتماعية ـ إلى المناطق التي استكشفها . ووضعها تحت إطاره ، ومالمشكلة اليهودية التي أقضت مضاجع أوروبا في القرون الوسطى عنا ببعيد ،،،، و”ياغافل اسأل التاريخ”.

أنا لا أنادي هنا بفعل معاكس للغرب واستعمارهم على طريقتهم ، وإنشاء معهد للاستغراب على وزن الاستشراق!. إنما أنبه هنا إلى ضرورة وأهمية وجود الدراسات الانسانية والاجتماعية ، وإعادة الاعتبار لها . إن دراسة الحضارات الأخرى ـ وليس الغربية فقط ـ والثقفات والتجمعات ، أفقيا ورأسيا ، إن على مستوى الماضي “الباءدة” أو على مستوى الحاضر “القائمة” . هي مقدمة لحضارة تأخذ بأسباب ما مضى ولا تهمل القوة الداخلية . وللانتباه إلى ما يحصل في هذا العالم ، وللدفاع عن حقنا . ولنشر رسالتنا . ولنعلم أن كل تقدم واكتشاف حضاري وتقني جديد ، إنما هو في أول أمره إكتشاف انساني ………. هذا والله أعلم.

Advertisements