ساعات السفر


السفر كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم “قطعة من العذاب”, ومفردة السفر تكرر ذكرها كثيرا عند الأمم، مما يدل على وقوع السفر في مرتبة عالية ، كما ورد ذلك  في أمثال الأمم. والعظماء من طبيعتهم السفر، ويستوي في ذلك الأمير والتاجر والمفكر والأديب . ويختلفون في نظرتهم إليها وفلسفتها ـ أي السفر ـ على اختلاف أهدافهم منه.

و  ساعات السفر بالنسبة إلي هو متعة عقلية ، خاصة عندما يكون براَ بالسيارة . فهي فرصة للاختلاء بالنفس ومذاكرة معها ، وعصر للذاكرة ، ومناقشة بيني وذلك الكم المكدس من المعلومات ، فيكون ذلك فرصة لإثارته وتحويل ذلك الكم المكدس إلى بناء منظم . إن ساعات السفر فرصة لمناقشة مدخلات عقلي وذاكرتي سواء أكانت أحداثا حصلت ، أو أشخاصا تعرفت عليهم ، أو قراءة لكتاب ، أو سماعا لصوتيات ، أو حتى طربا لأغنية . أيا كان… يجب مناقشته . وقد بدأ هذا يحصل وبدأت تلك العادة تتشكل عندما أدمنت السفر لوحدي في أيام الجامعة ، عندما كنت أسافر مرة واحدة في الشهر لزيارة أهلي ، معنى ذلك أني كنت أختلي بنفسي مدة تقترب من عشر ساعات في الشهر. فبدأت تلك العادة على صيغة تفكير لقطع الطريق و “قتل الوقت” . وانتهت إلى “إدمان شهري للسفر إلى أي مكان” للتفكير وإعادة تنظيم ما استجد وهيكلته وإلغاء تجزئته ، مثل ما يحدث لجهاز الكمبيوتر .

وكان يتخلل هذا الوقت الطويل من التفكير فترات راحة لسماع شيء من الموسيقى أو تسجيل لديوانية … لتقوي روحك لجولة أخرى أكثر عمقاً وأبعد نهاية.

في هذه الفترة ، مرّرت على ذاتي كثيراَ من العرائض والإشكالات والتساؤلات، قبضت خلالها على كثير من المصطلحات . وأعدت الإجابة على كثير من الإجابات التي كانت مختزلة . واتسع مفهومي للحياة ، بل أعيد تشكله. لقد أصبحت أكثر ذاتية ، وعرضت على عقلي كثير من الأفكار والحقائق والوقائع والموضوعات ، وبعد سلسلة من الحوارات النفسية العميقة والعنيفة ، انتقلت بعقلي إلى الفكر والحقيقة والواقع والموضوعية. وهكذا حققت الهدف الأمثل من التفاصيل الصغيرة والهامشية ، وفككتها وجردتها ووضعتها في مكانها المناسب من خارطتي الإدراكية …. آه إنها متعة السفر .

إن السفر .. فرصة ـ ربما تكون وحيدة ـ ليبني كل منا خارطته الإدراكية لما حوله ، لماذا الفرصة الوحيدة ؟ ، لأنها أولاً ، استغلالا للوقت . ولأنها لا تتيح لك مجال لفعل أي شيء سوى “قُـدْ وفكر”. حتى الكتابة لا تستطيعها ، الكتابة شيء جميل لتثبت الفكرة وتجريد الوقائع. لكنها ـ حين التفكير العميق ـ ، تضعف من الاستنتاجات ، فالكتابة من شأنها أن تصنع ثنائية التفكير والكتابة ، والكتابة ليست ضرورية لبناء الخارطة الإدراكية للفرد . إن السفر يركز مهارة الاستنتاج ، وبالتالي الذاتية ، وبناء الخارطة الإدراكية.

Advertisements