مع التراث


 

 

   إن التاريخ العام ليس ـ في مجمله ـ سوى مجموعة تواريخ لأجزاء معينه تحتويه ، وتاريخ الشيء هو مقدمته ، وبمقدار تقدمه وحراكه بمقدار ما يشكل في حاشيته وخاتمته .  والتاريخ أيضا مركز الشيء ومبعث حركته . ومقدار تحرر الكائن ـ فردا كان أو أمة ـ من التاريخ أو تمركزه حوله ، يعطيه ـ ما يعطيه ـ من الحراك والتفاعل مع الآخرين أو الانعزال عنهم والتشرنق حول نفسه  .

 

 

 

    إن التواريخ الجزئية للأمم والأفراد والحضارات ، ليست متشابهة مع بعضها وإن اتفقت في نوعها . وإنما تتجه في خطوط ـ صاعدة أو نازلة أو مستوية ـ ، وليست في دوائر متكررة تتشابه مع بعضها ، ولذا فإن التاريخ لا يعيد نفسه ، لكنه في سيره ذو سنن ونواميس وديناميكيات يتحرك بموجبها ويحرك معه أصحابه ومن في طريقه .

 

    (1)

 

     لم يسبق لي زيارة الولايات المتحدة ، ولم يتسن لي بعد العيش داخل المجتمع الأمريكي حتى أتحدث عنه ، لكني سأتحدث عنه من منطلق قراءاتي عنه .

 

    إننا نرى الأمة الأمريكية  متحررة بشكل كبير من التاريخ ، بالنظر إلى طريقة تكوينها ، و هي تتنكر للإنسان وتسير به في مرحلة تنميطية ،  ليصبح مثل حالات المواد المصنعة التي تسير في خطوط الإنتاج “Pipeline” في المصانع ، حتى يتحول إلى مجموعات متماثلة ليسهل التعامل معها . و المجتمع الأمريكي مجتمع أقليات متحررة من تاريخها وهاربة من جغرافيتها ومجتمعاتها القديمة ، نحو جغرافية جديدة محايدة ليس لها أي معنى أو تاريخ سابق ـ لأن الهنود الحمر تمت إبادتهم وتم إحلال المجتمع الجديد مكانه ـ والأقلية القادمة تتعامل مع أقليات لها نفس الخلفية التاريخية ـ أي الرغبة في الخروج من التاريخ القديم لها ـ  ، ويتم الاندماج والتركيز على اللحظة الحاضرة ـ لأنها اللحظة الوحيدة المشتركة ـ وإهمال الماضي المجهول ، والمستقبل المختلف عليه .

 

    في هذه اللحظة النماذجية الواحدة ، يمكن تكرار التاريخ باستمرار ، لأنه ببساطة لا يوجد تاريخ ، وإنما يوجد لحظات آنية متكررة (نوم ـ عمل ـ أكل ـ ملهى ليلي ….) ، ولهذا يصل الحراك إلى قمته ، حراك القلق الباحث عن استقرار ، لكنه لا يوجد استقرار اجتماعي بدون تاريخ . و يظهر هنا النظر المستمر للأمام خوفا من الماضي ورؤية حالته المتشظية . ولهذا يصبح التطور والحراك والتقدم دون هدف ودون غاية يصل إليها .

 

(2)

 

    في مقابل هذا ـ التجربة الأمريكية التي تمثل غاية الحضارة الغربية في التقدم والتطور ـ نجد مجتمعات مثقلة بالجغرافيا والأرض . منغلقة على ذواتها المتضخمة . لا تستطيع رؤية ما في الخارج . فهي تقضي سحابة عمرها في تحقيقات الماضي الجزئية والمنقرضة التي أكل عليها الدهر وشرب ، لا لشيء ولا لهدف ، وإنما لأن هذا ماضيها وتاريخها وحسب . وتستمر هذه الحالة “التحقيقية” مع الماضي والتاريخ والتراث ، حتى تتضخم عليها وتنوء بحملها . وتستمر في التوغل في تلك الحالة التحقيقية حتى ترى تحقيقات عجبا ، وتظهر استنتاجات ودلالات لا تدل على شيء . حتى ينفجر التراث بالمعلومات ويثقل الرأس بما حمل ، فيسقط “الجمل بما حمل” وتنفلت الأمة بكاملها إلى الدرك التاريخ الأسفل ، إلى المزبلة .

 

(3)

 

    بين هذا وذاك ، نرى من يقول : يجب إحراق التراث كله ، والبدء بتجربة تحديثية جديدة ، والبدء بالترجمة من الأمم المجاورة من جديد . وآخر يقول : لا داعي لـ “بناء بيت حكمة جديد” ، ولدينا ما يكفينا من مئونة المعرفة والخبرة والتجربة لنقوم بنهضة . وثالث يأتي بصيغة توفيقية بين نظرة التراث ونظرة المستقبل ، وهنا تظهر مشاريع إعادة ودراسة التراث . حيث يظهر الاتفاق في الهدف وينفجر الاختلاف في الطريق والمنهج (*).

 

     أعتقد أنه لكي نبدأ بدراسة حقيقية للتراث ، وننقيه تنقيه صحية . يجب أن نصحح أولا نظرتنا نحو التاريخ . وهذا لا يتم بدون رؤية مركبة نحو الله ـ الطبيعة ـ الإنسان . وبمدى تركيبيتها وانفصالها وارتباطها مع بعضها ، نصل إلى صيغة جمعية أولية لدراسة التاريخ ولإعادة دراسة التراث واستدعائه ، ثم الدخول في عصر النهضة والتقدم .

 

Advertisements