التشخيص

by حسن سالم


هناك داء في التفكير والنقد لدينا ، وهو تجميع أو اختصار الكل في جزء و الجميع في شخص واحد ، وحشر مميزات و سيئات تلك  المجموعة بأكملها في ذلك الشخص ـ المستهدف ـ ، ومن ثم يكون حكمنا لتلك المجموعة منطلقاً من الحكم على ذلك الشخص، وفي العادة … تغلب إحدى تلك المترادفتين (إما المميزات أو السيئات )، على ذلك (الشخص) وتزداد وتتسارع حتى تصل إلى طرفي نقيض ؛ إما خيراً محضاً أو شراً محضاً. وتتسع تلك الحالة حتى تتحول إلى (ترميز) للمجتمع بأكمله ، ويصبح أفراد المجتمع إما منضوين تحت لواء ـ الخير ـ وإلا فإن الشر مصيره المحتوم.

وهذه من المشكلات العويصة ، ومن النتائج المحتومة لهذا التفكير الحدي ، هو أن نعتقد أنه بزوال تلك الشخصية ـ المنمطة ـ فإن الشر بأكمله يكون قد زال أو كاد إذا كانت تلك الشخصية ـ شريرةـ ، وبأن فرجة من فرج الشيطان قد سدت.

كذلك الحال بالنسبة للشخصية حاملة الخير ، فإن وجودها يعني أن المجتمع لازال في خير وفي عافية ـ وربي يكثر منهم ـ ، وزوالها يشير إلى ثلمه من ثلم الإسلام لابد وأن تسد سريعاً.

وحينما نهجم على الشر فإننا نعتقد أننا إذا هجمنا على تلك الشخصية ـ المنمطة ـ فإننا قد ضربنا الشر في معقله ، وكذلك الشخصية الموصومة بالخيرة.

ومن الطريف أنك حينما ترى تلك “الشخصية الشريرة” وهي ظاهرة في التلفاز مثلاً ترى من حولك من هؤلاء الـ (منمطين) وهم يلهجون وكأنهم في دعاء …. شوف الشرير …… شوف الشرير، وكذلك الحال مع “الشخصية الخيرة”وما يتبعها من دعوات على شاكلة ، وفقه الله .. وفقه الله .

وهكذا يتحول نقاش الأفكار وتجرديها وتفكيكها ومعرفة صالحها من طالحها من حالة علمية عقلية بنائية ، إلى عراك مشخصن تذوب فيه الفكرة في الشخص وترتبط به وبمصيره . وتموت الحالة العلمية العقلية ومعها الأفكار، ويظهر التشكيك في النوايا .وفلان قصد هذا وفلان قصد هذا . ويظهر هنا تصنيم الأشخاص لا لعظمة أفكارهم وإنما لشخوصهم وحسب .

وبظهور هذه الحالة “المشخصنة للأفكار”، تموت كثير من الأفكار المحفزة في المجتمع ، كالحوار والشورى والحريات . وتقدم كمذابح في سبيل نصرة شخص على آخر . وأفضل مثال لهذا المذبح ما حصل بعد حديث الشيخ الشثري عن جامعة الملك عبد الله ، وما كان يحصل قبل حرب الخليج – ولا يزال – مع الغذامي والقصيبي .

Advertisements