في “علومنا” المنفصلة عنا


قديما قال الشاعر العربي
العلم يبني بيوتا لا عماد لها
والجهل يهدم بيت العز والشرف
،،،
كنا في صغرنا نسمع من آبائنا ومن أستاتذتنا في مدارسنا مقولات إنشائية تتحدث عن تبجيل العلم ، وأنه عزة للفرد ورفعة لقدره من على شاكلة ، من جد وجد ومن زرع حصد ، من سار على الدرب وصل ، وهكذا ..

هذه المقولات جميلة وتتحدث عن تحفيز تربوي للصغار ليساعدوا أنفسهم على بناء أولى لبنات التفكير العلمي الصحيح ، حتى يعينوا مجمتعهم حينما يدير جيلهم دفة الأمور ـ على افتراض أن هؤلاء الصغار يعيشون في مجتمع يقبل بتداولية الأجيال لا احتكارها في جيل واحد ـ

هذه الأمور سارت معنا على أفضل حال ، حتى دخلنا الجامعة ودرسنا معلمين على درجة عالية من التعليم والتحصيل ، ممن يفترض بهم أنهم أفنوا أعمارهم إفناء في تحصيل العلوم وإنشائها … هؤلاء الأساتذة الفضلاء نفاجأ بأنهم لا زالوا يتحدثون عن تبجيل العلم وفضله والإسباغ في الثناء على العلم ، وأنه “القنطرة” التي يجب أن نعبرها حتى “ننهض” بمجتمعاتنا ونصل بها إلى بر الأمان . ولا أعلم مدى ضرورة أن يقضي الأستاذ الجامعي عشرين أو ثلاثين سنة باحثا منهمكا ، ويذهب ليدرس وراء البحار البعيدة “مغتربا” ، حتى يرجع لنا يمقولات تبجيلية للعلم وفضله ، ينام الخلق ملء جفونه مللا من كثرة تردادها ..

وهذا الكلام الذي نسمعه من منارات العلم والمعرفة ، نسمعه كذلك من مختلف شرائح المجتمع ، كلهم بلا استثناء ، من الأمي حتى المتعلم متعدد اللغات . يسمعه المجتمع منذ أجيال . إن هذا الكلام إنما يخبئ خلفه نسق كامل من عقلانية المجتمع الذي ينظر إلى العلم نظرة تبجيلية ، يجعل من العلم أساسا لمعارفنا الصحيحة ، وقاعدة للاجماع الاجتماعي . هذه النظرة تجسد العلم وتستمر في تجريده ختى يصبح العلم مقدسا وحقيقة واحدة لاهوتية مفصولة عن الواقع الذي تكونت خلاله والذي فرض عليه احتياجاته

هذه التجربة النظرية العظيمة هي مكون رئيسي في العقلانية العلمية لدينا التي ننهك عقولنا داخلها ـ مدح العلم وأهله ـ ،  بدلا من أن ننخرط في التجربة ، في مراجعة الواقع ومعاينته وتثوير نظمه المعرفية ، حتى تتكون لدينا عقلانية وانظمة معرفية مستمدة من حاجات مجتمعاتنا ، وحتى تدخل معارفنا أيضا في الصيرورة التاريخية للمجتمع وتعجن بعجينه ، وتختلط فعليا بمشاكله ، حتى تستمد منه منهجيته .

نترك كل ذلك ونستقوي فقط بأهمية العلم الذي تحول إلى “إيديولوجية تبشرية” ، تدمر الواقع والمناهج العلمية والتراكم المعرفي ، وتجعل المفهوم يتحكم بالواقع لإعادة صياغته وفق النمط الفكري ذاته . هذا الاستلاب يقدر ما أفقدنا الحس المعرفي وأعدم ذواتنا أمامنا حتى أصبحنا بلا شخصية ننتظر من غيرنا الحلول ، بقدر ما أصبحنا مجرد مستهلكين للعلم الحقيقي بدلا عن ممارسته ، بقدر ما جعلنا منذ خمسين سنة نرسل البعثات إلى كل ،مكان في العالم بلا أي أثر اجتماعي على الواقع المحلي .. وكأننا نقول : لا يوجد لدينا علم ، لا يوجد لدينا علماء أكفاء ،لغتنا ليست وعاء للعلم،  نحن أصلا لم نخلق للعلم .. العلم هناك في المدى الأبعد ، خلف البحار العظيمة جاهز ومتطور ، وليس علينا إلا أن نأتي به ونفسح له المجال …

وهكذا حرمنا أنفسنا من قدرة على مناقشته والإضافة إليه ، وبقيت جامعاتنا منعزلة عن المجتمع ، متخلفة على الصعيد العلمي ، وصاحب الحلول كلما جاء من مدى أبعد كلما كان حله أنجح …