أوراق

حسن سالم

التصنيف: Uncategorized

ساعات السفر


السفر كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم “قطعة من العذاب”, ومفردة السفر تكرر ذكرها كثيرا عند الأمم، مما يدل على وقوع السفر في مرتبة عالية ، كما ورد ذلك  في أمثال الأمم. والعظماء من طبيعتهم السفر، ويستوي في ذلك الأمير والتاجر والمفكر والأديب . ويختلفون في نظرتهم إليها وفلسفتها ـ أي السفر ـ على اختلاف أهدافهم منه.

و  ساعات السفر بالنسبة إلي هو متعة عقلية ، خاصة عندما يكون براَ بالسيارة . فهي فرصة للاختلاء بالنفس ومذاكرة معها ، وعصر للذاكرة ، ومناقشة بيني وذلك الكم المكدس من المعلومات ، فيكون ذلك فرصة لإثارته وتحويل ذلك الكم المكدس إلى بناء منظم . إن ساعات السفر فرصة لمناقشة مدخلات عقلي وذاكرتي سواء أكانت أحداثا حصلت ، أو أشخاصا تعرفت عليهم ، أو قراءة لكتاب ، أو سماعا لصوتيات ، أو حتى طربا لأغنية . أيا كان… يجب مناقشته . وقد بدأ هذا يحصل وبدأت تلك العادة تتشكل عندما أدمنت السفر لوحدي في أيام الجامعة ، عندما كنت أسافر مرة واحدة في الشهر لزيارة أهلي ، معنى ذلك أني كنت أختلي بنفسي مدة تقترب من عشر ساعات في الشهر. فبدأت تلك العادة على صيغة تفكير لقطع الطريق و “قتل الوقت” . وانتهت إلى “إدمان شهري للسفر إلى أي مكان” للتفكير وإعادة تنظيم ما استجد وهيكلته وإلغاء تجزئته ، مثل ما يحدث لجهاز الكمبيوتر .

وكان يتخلل هذا الوقت الطويل من التفكير فترات راحة لسماع شيء من الموسيقى أو تسجيل لديوانية … لتقوي روحك لجولة أخرى أكثر عمقاً وأبعد نهاية.

في هذه الفترة ، مرّرت على ذاتي كثيراَ من العرائض والإشكالات والتساؤلات، قبضت خلالها على كثير من المصطلحات . وأعدت الإجابة على كثير من الإجابات التي كانت مختزلة . واتسع مفهومي للحياة ، بل أعيد تشكله. لقد أصبحت أكثر ذاتية ، وعرضت على عقلي كثير من الأفكار والحقائق والوقائع والموضوعات ، وبعد سلسلة من الحوارات النفسية العميقة والعنيفة ، انتقلت بعقلي إلى الفكر والحقيقة والواقع والموضوعية. وهكذا حققت الهدف الأمثل من التفاصيل الصغيرة والهامشية ، وفككتها وجردتها ووضعتها في مكانها المناسب من خارطتي الإدراكية …. آه إنها متعة السفر .

إن السفر .. فرصة ـ ربما تكون وحيدة ـ ليبني كل منا خارطته الإدراكية لما حوله ، لماذا الفرصة الوحيدة ؟ ، لأنها أولاً ، استغلالا للوقت . ولأنها لا تتيح لك مجال لفعل أي شيء سوى “قُـدْ وفكر”. حتى الكتابة لا تستطيعها ، الكتابة شيء جميل لتثبت الفكرة وتجريد الوقائع. لكنها ـ حين التفكير العميق ـ ، تضعف من الاستنتاجات ، فالكتابة من شأنها أن تصنع ثنائية التفكير والكتابة ، والكتابة ليست ضرورية لبناء الخارطة الإدراكية للفرد . إن السفر يركز مهارة الاستنتاج ، وبالتالي الذاتية ، وبناء الخارطة الإدراكية.

أعياد الميلاد ووجهات النظر


11111111111jo0

 

 

     بمناسبة قرب انتهاء العام الهجري والميلادي كذلك ، جاءتني هذه الخاطرة المرتبطة بانقضاء عام ، سواء كان عاماً هجرياً ، أو انقضاء عام على بداية عمل معين ، وما إلى ذلك . وكل عام وأنتم بخير ـ مقدماً ـ .

 

 

    إن تحديد مناسبة لها وقع على النفس مثل مرور عام مثلاُ على تاريخ الميلاد ، تكون فيها إعادة نظر لبعض الأمور المتعلقة بالنفس بما يعود عليها بالخير، وترتيب لبعض الأوراق ووضع خطة للعام القادم . لا أعتقد أن الدين الحنيف يقف لها بالمرصاد لمجرد أن الغرب يعمل ذلك ولا بد أن نخالفهم . فالغرب لديه أشياء جيدة وغير جيدة، وفي اعتقادي أن هذا الاحتفال ـ إذا كان بسيطاً ومعنوياً ـ يعود على النفس بالخير ويذكرها بأن ما مضى لا يعود ويجب استغلال ما تبقى من العمر .

   دائماً ما تحتفل الشركات بمرور زمن معين على إنشائها ، فهذه الشركة العالمية احتفلت بمناسبة مرور 50 عام على إنشاءها ، وتلك قامت بعمل تخفيضات كبرى بمناسبة مرور عقدين على إنشاءها ، وهذه المناسبة يكون الاحتفال فيها على شقين ، احتفال عام وهو ما يظهر للعامة ، واحتفال خاص يكون بإعادة النظر لهيكلة الشركة ومدى صحة تلك الخطط ومؤائمتها لما حولها .  ولم يتكلم أحد ولم يقولوا إن هذا تقليد للغرب (الكافر!) وفيه مخالفة صريحة للدين؟! . أليس الإنسان  يعتبر شركة صغيرة لها خططها ولها دراساتها ويجب تطويرها ؟ ، أليست هذه المناسبة جديرة بأن تكون مناسبة للذكرى والتذكير، وفرصة للتطوير والتعويض؟

   جاءتني هذه الخواطر حينما قرأت فتيا للشيخ سلمان العودة يجيز فيه الاحتفال بيوم الميلاد من دون أن يكون ذلك اعتقاداً بأنه عيد ، وجاءت حجته في ذلك أن الدين لم يأمر صراحة بالنهي في ذلك ، وبأن المسيحيين لا يفعلون ذلك على أنه اعتقاداً دينياً ، بل تقليدا مجتمعياً ، وبذلك تنتفي المخالفة للحديث المشهور (لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه).

   وأذكر أني قرأت في إحدى كتب الشيخ على الطنطاوي ـ رحمه الله ـ ، أنه كان يجيز هذا الاحتفال ـ المعنوي ـ ، ولا يرى فيه أي منكر .

   ثم جاءت بعد ذلك الردود من العلماء التي كان الرد فيها في صلب الموضوع ، الذي عبر عنه المتابعون للساحة الفقهية بأنه اختلاف طبيعي ويعتبر ظاهرة صحية .

 

  أتمنى أن يشيع هذا الجو الصحي في كل العوالم الأخرى ونحن نلاحظ الاحتقان في الردود والرفض للآخر وشيوع الفكر الإقصائي ، وأن يسود جو التآلف بين مجتمعنا، ولا يعكر عليها أن فلان الآخر لا يوافق رأيي . كما أتمنى أن تختفي أو على الأقل أن تقل ظاهرة من يخالفني فهو يخالف الدين ، ومن ليس معي فهو ضدي .